البادية 24 | صحافة

صبيحة الهجوم على ميناء اللاذقية، كتب المحلل الإسرائيلي رون بن يشاي في صحيفة يديعوت أحرونوت: “أصاب الهجوم الإسرائيلي عصفورين، سياسياً وعسكرياً، من خلال عدد محدود من الصواريخ الدقيقة الموجهة جيداً”. وكان أوضحَ في ذات المقال أن إسرائيل قد تكون قصفت أسلحة إيرانية مضادة للطيران، لا يعلم الأسد أن إيران قد هرَّبتها إلى سوريا، وأن الرسالة الإسرائيلية قد وصلت إلى الأسد: “الإيرانيون يخونونك”.

يشاي، المحلل العسكري المقرب من هيئة الأركان الإسرائيلية، كان كتب منتصف شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مادة أشار فيها إلى تقاطع المصالح الإسرائيلية الروسية مع الأسد حول ضرورة إنهاء، أو على الأقل تحجيم، الوجود الإيراني في سوريا، مؤكداً أن إسرائيل تعلم تصاعد استياء الأسد من الوجود الإيراني، الأسد الذي يعتقد أن الأنشطة الإيرانية في سوريا هي سبب الضربات الإسرائيلية، مما يقوّض حلمه بمحاولة استدراج دول الخليج، وبشكل خاص السعودية والإمارات، للمساهمة في تأهيل الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار، فرغم محدودية العمليات العسكرية في مختلف المناطق السورية، فإن الشركات الاقتصادية غير مستعدّة للعمل في دولة تتعرض لهذا القصف بشكل متواتر. عند هذه النقطة تتقاطع المصالح الروسية والإسرائيلية مع نظام الأسد، الذي يُنسب إليه أنه هو من طلب من الإيرانيين تغيير قائد قوات الحرس الثوري في سوريا مؤخراً.

إذاً، وحسب يشاي، انتهى الجدل منذ فترة طويلة، حول موقف إسرائيل من نظام بشار الأسد، فأسد منضبط أكثر ضمانة لأمن إسرائيل من بديل غير معروف، ولم يبقَ سوى حل مشكلة أو ضبط الوجود الإيراني في سوريا، ليعود الأسد ويبسط سلطته على كامل سوريا. هذا ما يتعارض مع رؤية تيار ليس بالقليل داخل سلطة الأسد، ممن يرَون بإيران حليفاً استراتيجياً سياسياً وعقائدياً، سيحفظ للأسد وشركاه البقاء في السلطة، بينما يمكن للروس أن يبيعوه في أية لحظة مؤاتية.

تشير معلومات من داخل هيئة أركان جيش الأسد، إلى ازدياد حدة الصراع بين نائبي رئيس الهيئة، صالح هلال العلي الموالي لإيران، وسليم حربا ذي الهوى الروسي، فقد تسلَّم حربا، بإرادة روسية، رئاسة اللجنة الأمنية والعسكرية في حلب، إضافة إلى مهمته. وكان الإيرانيون حاولوا في فترة سابقة، تسليم العلي رئاسة هيئة الأركان الشاغرة منذ سنوات، شغور لم يحدث مثله قبلاً في التاريخ السوري، لكنّ بشار الأسد أبلغ الإيرانيين أنه عرض الموضوع على الروس ورفضوا.

في أكتوبر/ تشرين الأول من هذا العام غادر الجنرال “أحمد مدني” سوريا. مدني، المعروف بالحاج جواد غفاري، تسلّم قيادة ميليشيا الحرس الثوري الإيراني في سوريا قبل خمس سنوات، خلفا للجنرال حسين همداني الذي قُتل في حلب بظروفٍ غامضة أُغلقَ ملفُّها. غفاري كان على خلاف حادّ مع الروس وضباط النظام في عدة ملفات، أهمّها مستقبل العلاقة مع القوات الأميركية والتركية الموجودة في سوريا، وكذلك في مسألة انتشار حزب الله اللبناني في عدة مناطق من الجغرافية السورية. لا يمكن للمتابع أن يغضّ الطرف عن هذه التغييرات وصلتها بما يجري مؤخراً من بوادر انسحابات عسكرية لإيران وميليشياتها. ولن ينفع الإيرانيين تكرارهم الزعم بأن الأمر لا يعدو كونه إعادة انتشار، بهدف تضليل الطيران الإسرائيلي، وتخفيف الخسائر المتأتية من تلك الضربات. بعد مغادرة غفاري بأيام قليلة، انسحبت ميليشيات إيرانية من جنوب شرقي دير الزور، وكذلك من ريف محافظة الرقة. وكان قد سبق ذلك إزالة حواجز تابعة لحزب الله في عدة مناطق خصوصاً وسط سوريا أهمّها حاجز “أكّوم” في ريف القصير غربي حمص، وحاجز “محطة الغسيل” على طريق تدمر – الصوانة.

بحسب مفهوم النفوذ والسيطرة، يُعتبرُ إفراغ مقارَّ لحزب الله في سوريا ذا دلالة أبلغ من مسألة إزالة الحواجز. حدث هذا في مقر قيادة الفرقة 11 الواقعة في قرية شمسين جنوب غربي حمص، كذلك أغلقت مقارّ الحزب في قريتي “المزرعة” و”الرقة”، المتداخلتين مع حي الوعر على أطراف حمص. كان مفاجئاً للسكان إنزال رايات حزب الله وإيران من على مداخل القريتين، وزوال واحد من مظاهر الاستفزاز لأهالي المدينة، الذين خبروا مجازر تلك الميليشيات بحق المدنيين، في الحولة والحيصة وخربة السودا. مكتب قرية المزرعة الذي أغلق من دون بديل عنه، اختصّ بتطويع الراغبين بالانتساب لما يسمى “حزب الله السوري”. يعتبرُ السوريون الموالون عقائديا لإيران هذه المتغيرات مؤشراً خطيراً، وهذا ما يتردد في الفترة الأخيرة في جلساتهم الخاصة، وعلى حساباتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، فإيران وميليشاتها بحسب اعتقادهم، تشكّل الضمانة لتثبيت الواقع الديمغرافي الجديد في سوريا بشار الأسد “المتجانسة”.

بلبلةٌ كبيرة أحدثها أيضاً، تجميد “صلاح اليوسف” أبو الفضل، فهو صاحب فضل كبير، بمفهوم الموالين، منذ كان مسؤولاً عن تشييع العلويين في مدينة حمص (بعد أن تشيّع هو ذاته) قبل انطلاق الثورة السورية، وصولاً إلى دوره في تشكيل ميليشيا “القائم” التي مارست العنف بحق المتظاهرين السلميين، في شهور الثورة الأولى. لتنتقل بعدها إلى جرود القلمون، وتقاتل تحت عباءة حزب الله اللبناني. يلزمُ أبو الفضل داره منذ شهرين، وقد آثر السكن في قرية أخواله “مريمين” الواقعة غربي حمص، بعد أن تعرض لخلع أنياب جعل كثيرين، ومن بينهم عناصره، يتساءلون عن مصيرهم في ظل نظام الأسد الذي لا يعترف بفضلٍ لأحد.

غادر الحاج فادي “أبو الزين”، واسمه الحقيقي محمد جعفر قصير، رجل حزب الله في حمص، عائداً إلى البقاع اللبناني. الرجل ذاع صيته خلال جلسات التفاوض بين قوات الأسد وقوات المعارضة، في ريف حمص الشمالي وحي الوعر، قبل أن تنسحب الأخيرة باتجاه شمال وشمال غربي سوريا بين عامي 2017 و2018. بعد ذلك تسلّم الحاج مقرّ حزب الله في “معمل الأحذية” العسكرية قرب الملعب البلدي في حمص. لهذا المقر كان يتبع المقاتلون في قرى غربي المدينة. نهاية مغامرة الحاج في سوريا تركت إشارات استفهام كبيرة بين عناصره، حيث تم تخييرهم بين تسليم السلاح والعودة للحياة المدنية، أو التطوع بشكل رسمي في قوات النظام. أما هو فقد تفرّغ، بحسب أوساط عناصره، للعمل في تهريب الحبوب المخدرة ومادة الحشيش.

بفعل انحسار المعارك، لم يعد الكثيرون إلى تداول كثير من أسماء المواقع التي اشتهرت خلال المواجهات قبل سنوات. “معمل الحرامات” شمال حمص، واحد من تلك الأسماء. قبل أسبوعين غادرت الميليشيات الإيرانية المعمل، مخلفة فيه آثار دماء المعتقلين وصرخاتهم. المقر كان معتقلاً “غير رسميّ”، فقد فيه كثير من المدنيين السوريين حياتهم. هو يوصف بأنه “غير رسميّ” بسبب أن معتقليه لم يكونوا يسلمون لفروع مخابرات نظام الأسد. معتقل يمكن تصنيفه كقطاع خاص إيراني. كُتبت النجاة لعدد قليل من معتقلي المعمل الذين (باعتهم) الميليشيات لأهاليهم مقابل فديات ضخمة جداً كل مرة، وهذا كان السبب الأهم للاحتفاظ بهم. كانوا استثماراً مربحاً.

كان من الواضح، بحسب التسريبات، أن لقاء بوتين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، ركز على التنسيق عالي المستوى خلال القصف الإسرائيلي لمواقع إيران في سوريا، وظهر أن الطرفين متفقان أن لكليهما مصلحة في استمراره. إذاً، هل سينحسر ويتراجع الدور الإيراني في سوريا؟ وهل هذه الإشارات مقدمات لذاك التراجع؟ من المبكر جداً الإجابة عن هذا السؤال، فالتفاهمات الدولية والإقليمية في سوريا لم تنضج تماماً بعد. والبازار السوري ما زال مفتوحاً، بينما نظام الأسد متأهب ومستعد لأية صفقة، ولا همَّ له سوى البقاء في السلطة، مع الإيرانيين أو بدونهم. إيران التي ما كانت لتدخل، وتبقى في سوريا عشر سنوات بدون موافقة إسرائيلية، غير معلنة حتى اليوم، تعلم تماماً أنها لو أرادت الاحتفاظ بدور لها في سوريا، وهذا ما استثمرت الكثير لأجله، واعدة جمهورها بعوائد اقتصادية قريبة لهذا الاستثمار. فعليها الإصغاء إلى إيقاع الضربات الإسرائيلية. على الأرجح وحسب ما يبدو، أنها تفعل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.